- قلم متعاون – موقع مجلة نجمة السعودية
في كل عام، يأتي يوم التأسيس بوصفه أكثر من مجرد مناسبة وطنية؛ إنه لحظة استدعاء للذاكرة الأولى، للجذور التي تشكّلت منها الهوية السعودية منذ عهد الإمام محمد بن سعود عام 1727م. ومع كل إطلاق لهوية بصرية جديدة، لا نترقب شكلاً فحسب، بل ننتظر انعكاساً عميقاً لألواننا… لروحنا.
- انعكاس اللون بوصفه ذاكرة
حين نتأمل الألوان المتوقعة لهوية يوم التأسيس – البني، الأخضر، الخزامي، وتدرجات بين الأحمر والأصفر – فإننا لا نقرأ لوحة لونية عابرة، بل نقرأ سردية متكاملة.
البني: ليس مجرد لون أرض، بل هو ثبات الطين الأول، جدران الدرعية، دفء البيوت القديمة، ورائحة التاريخ حين يُستعاد. إنه لون الرسوخ والاتكاء على الجذور، لون يمنحنا شعور الأمان والانتماء.
الأخضر: يتجاوز كونه رمزاً وطنياً؛ هو لون الاستمرارية والنماء. حين ينعكس الأخضر في الهوية، نشعر بامتداد الماضي إلى المستقبل، وكأن التاريخ لم يتوقف بل تطوّر. إنه لون الطموح الذي يحمل في داخله عمق الانتماء.
الخزامي: يحمل بُعداً شاعرياً، يوحي بالسكينة والرقي، ويعكس ملامح الطبيعة السعودية في لحظاتها الهادئة. هو لون يخفّف حدّة التاريخ الصارم، ويضيف عليه بعداً إنسانياً حسّاساً.
أما التدرجات بين الأحمر والأصفر : فهي حرارة الشمس على الرمال، لون السروج، الأقمشة، والأسواق القديمة. إنها ألوان الحركة والحياة، ألوان الفخر حين يُعلن، وألوان الحماس حين يُحتفى.
- الأثر النفسي للهوية اللونيّة
قبل إطلاق أي هوية رسمية، يبدأ الجمهور بتشكيل توقعاته. نحن – كمتلقين – نبحث عن أنفسنا داخل الألوان. نسأل:
- هل ستشبهنا؟ هل ستشبه بيوتنا القديمة؟ هل ستُحاكي قصص أجدادنا؟
اللون يؤثر فينا دون أن نشعر. فحين نرى درجات ترابية دافئة، نشعر بالطمأنينة. وعندما تحضر درجات مشبعة وحيوية، يرتفع فينا مستوى الحماس والانخراط. لذلك فإن هوية يوم التأسيس لا تُصمَّم لتُرى فقط، بل لتُحَسّ.
- توقّع الهوية قبل إطلاقها
قبل إعلان الهوية، يتكوّن في الوعي الجمعي تصور معيّن. نحن نتوقع أن تكون الألوان:
- صادقة وغير متكلّفة
- مستمدة من البيئة لا مستوردة من صيحات عابرة
- متوازنة بين الأصالة والمعاصرة
نتوقع هوية تحترم العمق التاريخي، لكنها في الوقت ذاته قادرة على أن تعيش في منصات رقمية، أزياء، معارض، ومساحات عامة.
وعندما نتحدث عن الأزياء، نلاحظ كيف أن ألوان الهوية الوطنية تتحوّل إلى مصدر إلهام مباشر للمصممين. من النقوش التاريخية إلى القصّات المستوحاة من تراثنا، يصبح كل لون يحكي قصة. البني يذكّرنا بالعمارة التقليدية، الأخضر يعبّر عن النمو والحياة، الخزامي يضيف لمسة شاعرية، والأحمر والأصفر يضفيان الحيوية والدفء. هذا الانعكاس اللوني لا يبقى محصوراً في الملابس فحسب، بل يمتد إلى الإكسسوارات، الأحذية، وحتى الإطلالات اليومية، ليصبح الزي وسيلة للتواصل مع الجذور والتاريخ. بهذا الشكل، لا تُلبس الهوية فحسب، بل يُحسّ بها، ويُعاش، وتصبح جزءاً من الشعور الجماعي والفردي في آن واحد.
فالهوية الناجحة ليوم التأسيس ليست مجرد لوحة ألوان؛ إنها ترجمة بصرية لشعور جماعي. هي انعكاس لثقتنا بأنفسنا، واعتزازنا بتاريخنا، واستعدادنا لمستقبل نصنعه ونحن نعرف تماماً من أين بدأنا، وفي كل مرة نرى تلك الألوان تنتشر في الشوارع، في الأزياء، في التصاميم، ندرك أن الهوية لم تُطلق فحسب… بل سكنت فينا.
نجمة السعودية مجلة فنية وطنية متنوعة