- قلم متعاون / القاهرة – موقع مجلة نجمة السعودية
في لحظةٍ ما، كانا يعيشان قصة حب، يرسمان معًا حياة مشتركة وأحلامًا بسيطة تحت سقفٍ واحد.
لكن فجأة، يتحوّل كل شيء إلى ساحة حرب: صراخ متواصل، إهانات جارحة، كرامة تُداس، وعنف قد ينتهي ـ أحيانًا ـ بجريمة تُزهق فيها الأرواح!
ويبقى السؤال الصادم: هل يمكن للحب أن ينقلب إلى غلّ؟ وهل أي خلاف ـ مهما اشتدّ ـ يمكن أن يبرّر أن تُراق بسببه دماء إنسان؟
في السنوات الأخيرة، صارت صفحات الحوادث تمتلئ بقصص مرعبة:
زوج يقتل زوجته بعد مشادة، زوجة تتخلّص من زوجها بدعوى “الانتقام من خيانته”، وأبناء يدفعون الثمن بين جدران بيتٍ تحوّل من حضنٍ دافئ إلى سجنٍ من الخوف.
الأسباب الخفية خلف العنف
الأمر لا يبدأ دائمًا بسكين أو سمّ؛ بل بكلمة، بكلمة وجع، أو إهانة متكررة، أو تجاهل صارخ، أو خيانة تهز كيان الطرف الآخر.
المشكلة أن الخلافات الزوجية لم تعد تُدار بالحوار، بل بـ”رد الفعل” الغاضب، كل طرف يشعر أن كرامته فوق كل شيء، وأن أي تنازل “ضعف”، فيتحول البيت إلى معركة لإثبات الذات بدلًا من أن يكون مساحة أمان واحتواء.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ حين يُهمَل البُعد النفسي والاجتماعي، وحين لا يجد أحد الطرفين من يصغي إليه أو يساعده على التعافي قبل أن ينفجر، فيتحوّل العنف – في نظره – إلى حل!

وفي هذا السياق، تقول د. شيماء أغا، استشاري العلاقات الأسرية والنفسية والتربوية: “غالبًا ما يكون العنف الزوجي نتيجة قصور لدى أحد الطرفين في التعبير عن حالة الغضب بشكل مقبول، بجانب نظرة كل طرف للآخر، ومدى القبول والمرونة بينهما.
فعلى سبيل المثال، قد يمر الزوج بضغوط متعددة، ضغوط عملية، أو أسرية، أو حياتية طبيعية، ومع تراكمها يفقد قدرته على التعبير الصحي عن طاقة الغضب بداخله، وهنا قد تخرج حالة الغضب في حوار بسيط مع الشريك، وبسبب قصوره في التعبير السليم تنعكس هذه الطاقة في صورة عنف ضد الزوجة.”
وتُضيف: “إن غياب الآليات السليمة للتعبير عن مشاعر الغضب يُعَدّ من أبرز الأسباب التي تُفسّر تكرار حالات العنف تجاه الطرف الآخر، وغالبًا ما يكون هذا الطرف هو الأضعف؛ فقد يظهر العنف في صورة عنف زوجي موجَّه إلى الزوجة، أو عنف موجَّه إلى الأطفال في المراحل المبكرة من الطفولة، حيث يعجزون عن التعبير أو الدفاع عن أنفسهم. وفي الواقع، يمكن القول إن العنف الأسري هو نتاج تراكمات وضغوط، وقصور في شخصية الفرد على مستوى التعبير الانفعالي، وعدم القدرة على توصيل المشاعر بشكل سليم، وهو ما قد يتحول في لحظة انفعال أو غضب شديد إلى ممارسة للعنف؛ سواء داخل العلاقة الزوجية أو داخل الأسرة بشكل عام.”
استطلاع رأي وتحليل النتائج
طرحتُ سؤالًا بسيطًا على عيّنة مكوّنة من 500 شخص، من خلال صفحاتي الرسمية على منصّات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى مقابلات مباشرة مع بعض الأصدقاء والمهتمّين: «لو شعرتَ بالإهانة أو الخيانة من شريك حياتك، كيف سيكون ردّ فعلك؟»
وجاءت النتائج، 42% قالوا: سأواجهه وأحاول الإصلاح بالحوار، 38% قالوا: سأترك العلاقة فورًا من دون عنف، 15% قالوا: سأفكّر في الانتقام، 5% قالوا: سأطلب مساعدة من مختص نفسي أو أسري.
هذه الأرقام ليست مجرد نتائج جامدة، بل تعكس في عمقها واقعًا اجتماعيًا ونفسيًا معقّدًا؛ إذ تتأثر ردود الأفعال بعدّة عوامل متداخلة، منها الخلفية الاجتماعية والتنشئة الأولى داخل الأسرة، ومستوى التعليم والثقافة، ودرجة الوعي النفسي، وطبيعة البيئة المحيطة؛ فكلّما كانت التنشئة قائمة على الحوار والاحترام قلّ اللجوء للعنف والانتقام، وكلّما ارتفع مستوى التعليم والوعي النفسي زادت فرص طلب المساعدة وتبنّي حلول أكثر نضجًا واتزانًا.
وهذا ما يؤكد أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على التعامل مع نتائجها فحسب، بل تبدأ من الجذور الأولى التي تصنع طريقة تفكير الإنسان واستجاباته في الأزمات.
مقترحات وحلول واقعية
وهذا يقودنا إلى ضرورة تبنّي رؤية شاملة للوقاية قبل العلاج، تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند الأسرة:
مقررات دراسية في المدارس والجامعات تزرع في عقول الأبناء منذ الصغر ثقافة “التواصل الفعّال”، وفنون الحوار، وإدارة الغضب، واحترام الاختلاف. هذه المعارف إذا تم ترسيخها مبكرًا، ستصنع جيلًا يعرف كيف يدير خلافاته بوعي بدلًا من أن يتركها تنفجر في وجهه وتقوّض استقراره.
حملات توعية وتثقيف مجتمعي تنظمها مؤسسات الدولة المعنية – كوزارات التعليم والصحة والتضامن – بالشراكة مع الإعلام، لرفع الوعي بخطورة العنف الأسري وكيفية طلب المساعدة النفسية عند الحاجة، وكسر حاجز الخوف.
برامج تأهيل ما قبل الزواج تكون إلزامية، لا شكلية، تُقدَّم فيها مهارات التواصل، وفهم الفروق النفسية بين الرجل والمرأة، وأساليب حلّ الخلافات من دون عنف أو انتقام.
ومن الحلول التي لا بد من تبنّيها، دعمُ المراكز الأسرية ومراكز الاستشارات النفسية وتوفيرُ خدماتها بأسعار رمزية أو مجانًا داخل الأحياء والمناطق الشعبية، وذلك من قِبل الدولة ومؤسساتها الاجتماعية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، حتى لا تبقى المساعدة النفسية حكرًا على القادرين ماديًا، وتكون في متناول كل من يحتاج إليها قبل أن تتفاقم الأزمات وتتحوّل إلى كوارث.
كما أن تحسين استخدام منصّات التواصل الاجتماعي في حملات التوعية الشبابية بأسلوبٍ عصريٍّ يجذب الفئات الأصغر سنًّا ويغرس فيهم ثقافة النقاش بدلًا من ردّات الفعل الغاضبة، يُعدّ دورًا مشتركًا يقع على عاتقنا جميعًا كمجتمع، مؤسّساتٍ وأفرادًا.
وبهذا، ندرك أن القضية لا تكمن في لحظة غضب عابرة أو تصرّف منفلت، بل في جذور تحتاج إصلاحًا: تربية تُعلّم الاحترام، ووعي يأسس التوازن، وتعليم يفتح الأفق.
إن العنف بين الزوجين ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة لسلسلة من الأخطاء يمكن تفاديها إذا بدأنا من الأساس: التربية الواعية، التعليم النوعي، الوعي النفسي، والتثقيف المجتمعي. كلها أدوات قادرة على إنقاذ أرواح من الضياع، وإعادة الأسرة إلى دورها الطبيعي كأمان لا كساحة حرب.
وحين نُربّي الفرد على الوعي والتوازن، نصنع إنسانًا قادرًا على إدارة خلافاته بعقل لا بعنف، وبحوار لا بانتقام، فنحمي بيوتنا من الانهيار قبل أن تسقط.
إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من الداخل، من قرار كل طرف أن يكون سندًا لا خصمًا، شريكًا في الحل لا سببًا في الأزمة.
ودائمًا كانت قناعتي أن:
”حين يصرخ القلب ألمًا، فلا ينبغي أن نتركه يصرخ دمًا؛ فالخلاف لا يُبرّر الجريمة، والخذلان لا يشفع للانتقام.”
والأهم أن ندرك أن الكرامة لا تُصان بجريمة، وأن الخذلان لا يُشفى بالانتقام؛ فكل بيت يمكن أن ينجو من العنف إذا اختار الطرفان أن يكونا فريقًا واحدًا في مواجهة المشكلة، لا خصمين يتربص كل منهما بالآخر.
—
بقلم: أحمد عبد الفتاح
الكاتب والباحث في العلاقات الإنسانية
مؤلف كتاب «فن ترميم القلوب»
نجمة السعودية مجلة فنية وطنية متنوعة
