أحمد عبدالفتاح يكتب: “كيف نصنع سعادتنا بأنفسنا؟ من حب الذات إلى سلام الروح”

  • قلم متعاون – موقع مجلة نجمة السعودية 

 

الحياة أحيانًا تبدو كأنها سلسلة من الامتحانات المتتالية، يخرج الإنسان من تجربة منهكًا ليدخل في أخرى أكثر قسوة، ومع ذلك يظل واقفًا، يتعثر ثم ينهض، يضعف ثم يستعيد قوته، ينهار ثم يبني نفسه من جديد.

‏التجارب لا تعني النهاية أبدًا، بل ربما تكون بداية حقيقية لما لم نكن نتخيله، فمن منا لم يمر بليالٍ شعر فيها أن الغد لن يأتي، ثم وجد أن الغد قد جاء ومعه نور جديد، ومن منا لم يبكِ حتى شعر أن دموعه لن تجف، ثم اكتشف أن عينيه صارت أقوى من أن تدمع بسهولة مرة أخرى.

‏إن التجارب الصعبة قد تبدو كعقاب قاسٍ، لكنها في حقيقتها تُعلِّمنا القوة والصمود في أشد اللحظات، ولعل أجمل ما فيها أنها تخرج من داخلنا نسخة جديدة لم نكن نعرفها، نسخة أكثر صلابة وأكثر وعيًا وأكثر تقديرًا للحياة.

  • حب الذات وبداية التغيير

‏ولعل البداية الحقيقية لأي رحلة نحو السعادة تكمن في أن نحب أنفسنا كما هي، أن نتوقف عن جلدها ولومها وتحميلها ما لا تحتمل، أن ندرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بكمية ما يملكه من مال أو منصب أو إعجاب الآخرين، وإنما تُقاس بقدرته على أن يعرف نفسه، أن يحترمها، أن يقف أمام المرآة فيبتسم بدلًا من أن يعبس، أن يرى في عيوبه فرصًا للتعلم وفي ضعفه مساحة للنمو، أن يُسامح نفسه كما يُسامح الآخرين، بل ربما أكثر.

‏حب الذات ليس أنانية كما يظن البعض، بل هو حجر الأساس الذي تُبنى عليه كل علاقة صحية في حياتنا؛ فمن لا يعرف كيف يحب نفسه لن يعرف كيف يحب غيره، ومن لا يعرف قيمته سيظل طوال حياته يبحث عنها عند الآخرين ولن يجدها أبدًا.

‏وقد أشارت د. سيلين الباجوري – أستاذة علم النفس الإيجابي، لبنان – في حديثها معي إلى أن حب الذات لا يعني الغرور، بل هو إدراك متوازن لقيمة النفس. وتوضح أن الشخص الذي يتصالح مع ذاته يصبح أكثر قدرة على تقبّل النقد، وأكثر مرونة في مواجهة الفشل، لأنه لم يعد يربط قيمته بنجاح أو رأي مؤقت.

  • التعامل مع السلبية

‏ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في كيفية التعامل مع السلبية التي تملأ حياتنا، مع الكلمات التي تُقال في الخفاء، مع النميمة التي تنتشر كالنار في الهشيم، مع أولئك الذين لا يملّون من التقليل من غيرهم كي يثبتوا أنفسهم.

‏هنا يبرز الخيار الصعب: هل نضيع أعمارنا في الرد عليهم أم نترفع ونمضي في طريقنا؟

‏إن التجاهل في هذه المواقف ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل هو قمة القوة، أن تملك القدرة على أن ترى وتسمع ولا تسمح لما يُقال أن يخترق روحك أو يُطفئ نورك.

‏الناس تتحدث اليوم وتنسى غدًا، أما ما تبنيه أنت بعملك وبنجاحاتك فهو الباقي، والأفعال دائمًا أبلغ من الكلام.

  • التماس الأعذار.. طريق للرحمة

‏ولأننا بشر نخطئ ونصيب، نتعثر وننهض، يبقى التماس الأعذار للآخرين فضيلة عظيمة تُخفف عنا وعنهم الكثير من الأعباء.

‏كم مرة حكمنا على شخص بسرعة ثم اكتشفنا لاحقًا أن له ظروفًا لم نكن نعلمها، كم مرة غضبنا من كلمة أو فعل ثم عرفنا فيما بعد أن من قالها أو فعلها كان يمر بما لا طاقة له به.

‏إن تمسُّكنا بفكرة أن لكل إنسان قصة خفية لن يرويها، يجعلنا أكثر رحمة، ويمنح قلوبنا مساحة أكبر للتسامح.

‏حين تلتمس العذر للآخرين، أنت لا تُريحهم فقط، بل تُريح نفسك من حمل الغضب والخصام، وتفتح لنفسك بابًا لسلام داخلي ربما كنت تبحث عنه طويلًا.

‏وفي هذا السياق، أوضحت د. سيلين الباجوري أن القدرة على التماس الأعذار للآخرين مؤشر لنضج عاطفي كبير. وأشارت إلى أن الشخص الذي يُبرر أخطاء الناس دون تهوّر، إنما يفعل ذلك لأنه تعلّم أن الألم ليس دائمًا مرئيًا، وأن كثيرًا من السلوكيات القاسية مصدرها الخوف أو الضعف لا الشرّ.

  • قيمة النصيحة ووقتها

‏لكن هناك أمرًا لا يقلّ أهمية: النصيحة.

‏كثيرون يظنون أنها مجرد كلمات تُقال، لكنها في الحقيقة مفتاح لا يفتح إلا إذا وُضع في الوقت المناسب.

‏النصيحة التي تُقال قبل وقوع الحدث قد تُعتبر تدخّلًا فيما لا يعنيك، لكن إن خرجت بصدقٍ ونيةٍ خالصة؛ فقد تزرع بذرة وعيٍ في قلبٍ لم يحن أوان انفتاحه بعد.

‏أما النصيحة التي تُقال أثناء المشكلة، فقد تُفهم على أنها لوم أو تقليل، ومع ذلك قلها برفق، حتى وإن بدا ردّ الفعل قاسيًا؛ فقد تكون الكلمة التي تُوقظ صاحبها من غفلته وسط الضغوط.

‏وحين تأتي النصيحة بعد أن تهدأ النفوس، تُصبح أكثر وقعًا وتأثيرًا، لأنها تجد طريقها إلى القلب دون مقاومة.

‏ومع ذلك، تبقى قيمة النصيحة الحقيقية في نيتك لا في توقيتها، أنت تُقدِّمها لأنك تُحب، لا لأنك تنتظر شكرًا أو اعترافًا من أحد، وقد تُقال فتُرفض، وقد تُسمع فلا تُفهم، لكنك في كل الأحوال تكون قد أديت دورك بصدق، لأن النصيحة الصادقة لا تُقاس بمدى قبولها، بل بصفاء القلب الذي خرجت منه.

‏افعل ما تراه حقًا، وقل ما يمليه عليك ضميرك، ثم امضِ بسلام؛ فالنقاء في النية أسمى من أي استجابة.

  • مساحتك الخاصة وسلامك الداخلي

‏ويبقى هناك جانب لا يقل أهمية عن كل ما سبق: أن تصنع لنفسك مساحة خاصة تحتمي بها من صخب العالم، مساحة تستعيد فيها نفسك من بين الأعباء والمشاغل، لحظات تقرأ فيها كتاب الله لراحة قلبك، أو تسير بمفردك لتتحدث إلى نفسك وتعيد ترتيب أفكارك، أو تستمع لموسيقى تُعيدك إلى هدوئك.

‏هذه التفاصيل الصغيرة التي يراها البعض تافهة، هي في حقيقتها اللبنات التي تُبنى عليها سعادتنا اليومية.

  • القرار اليومي بالسعادة

‏وفي النهاية، السعادة ليست هدية تُلقى في طريقنا، ولا جائزة يفوز بها الأكثر حظًا، بل هي قرار نصنعه كل يوم، أن نحب أنفسنا، ونتجاوز تجاربنا لنحوّلها إلى قوة، ونواجه السلبية بوعي، ونلتمس الأعذار للآخرين، ونُحسن اختيار وقت النصيحة، ونمنح أنفسنا مساحة من السلام والهدوء، وأكثر من ذلك سنتناوله في المقالات القادمة، لنصنع معًا إنسانًا يعرف كيف يعيش، وكيف يُحوّل حياته من ضغطٍ متواصل إلى رحلةٍ لها معنى وعمق.

‏—

  • كتب: أحمد عبدالفتاح
  • الكاتب والباحث في العلاقات الإنسانية
  • مؤلف كتاب “فن ترميم القلوب”

عن afaf

شاهد أيضاً

الفنانة التشكيلية زبيدة الهندي فخورة بلقب ” الفرشاة الذهبية ” وهذا ما قالته ؟!!…

حوار الإعلامية فايزة العسيري / موقع مجلة نجمة السعودية    أجرت الإعلامية : فايزة العسيري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *