- قلم متعاون / موقع مجلة نجمة السعودية
في سياق العلاقات الإنسانية، لا سيما بين الرجل والمرأة داخل إطار الزواج، تمر أحيانًا كلمات كثيرة في تفاصيل الحياة اليومية دون أن ينتبه أحد لوقعها الحقيقي. قد تبدو كلمة عابرة، فيتلقاها أحد الطرفين – زوجًا كان أو زوجة – ببساطة شديدة، وكأنها لا تحمل أي معنى إضافي، لكن الشيء نفسه قد يعود في المرة الثانية لتوقظ شرارة لم يلتفت إليه أحد في المرة الأولى، كأن الكلمة اكتسبت معنى جديدًا، أو كأن الطرف الذي مررها سابقًا أصبح يفهمها الآن بصورة مختلفة تمامًا.
فنجد رجلًا يكرر الكلمة نفسها التي قالها منذ شهور، ربما بالصوغ ذاته وبالابتسامة ذاتها، إلا أن زوجته بعدما مرت بتجارب غيّرت نظرتها إلى الأمور ووسعت وعيها الداخلي أصبحت تملك قراءة مختلفة، قراءة ممزوجة بالتساؤلات والاحتمالات، حيث تتبدل المعاني، ويتغيّر استقبال الكلمة، ويبدأ الخلاف من حيث لا يتوقع أحد.
وفي المقابل، قد تكون الزوجة هي من تكرر الجملة ذاتها، مرة بحسن نية، ومرة بنبرة عابرة، لكن الزوج هذه المرة يفهمها بصورة مختلفة، كأن الجملة أعادت فتح باب قد أُغلق، أو أحيت شعورًا ظن أنه انتهى.
وفي الحالتين قد نكتشف حقيقة عميقة داخل العلاقات، حيث الكلمات التي تمر في تفاصيل الحياة اليومية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل داخلها معاني مؤجلة وذكريات قديمة ظن أحد الطرفين أنها انتهت، بينما هي ما زالت معلقة تنتظر لحظة تعود فيها لتكشف أثرها من جديد. وأحيانًا لا تكون الجملة في ذاتها هي المشكلة، بل توقيتها، والطريقة التي تعود بها، والذكرى التي توقظها داخل أحد الطرفين في لحظة لم يكن مستعدًا لها، وتبدأ الانفعالات في إعادة ترتيب المشهد من جديد.
ومن هنا تبدأ المواجهة بين الطرفين، صدام لا يتعلق بالجملة في ذاتها، بل بما حملته من دلالات جديدة، وما أثارته من أسئلة لم تُطرح من قبل، وقد تتسع الفجوة مع كل محاولة تفسير خاطئة، ومع كل قراءة منقوصة للنوايا.
وحتى لا تنزلق العلاقة إلى دائرة الصراع، تبدو الحاجة ملحة إلى لحظة توقف حقيقية، لحظة تعاد فيها قراءة الكلام بنية الفهم لا الاتهام؛ فإعادة الكلام ليست خطأ في ذاتها، بل الخطأ يكمن في إسقاط تجارب الماضي على كلمات الحاضر دون حوار صريح.
إن علاج هذه الأزمة يبدأ بالوضوح: أن يوضح الرجل ما قصد، وأن تطلب الزوجة التفسير قبل إصدار الحكم، بأسلوب هادئ بعيد عن نبرة الهجوم أو الانفعال، وكأن الصوت يحمل اعترافًا صغيرًا: “أنا فهمت الكلمة بطريقة ضايقتني.. ممكن توضّح؟”
كما يطلب الزوج توضيح ما قصدته الزوجة، بهدوء وبكلمات رقيقة: “أظن أن قصدك كان شيئًا آخر، ممكن توضحي لي؟”، ثم يشارك شعوره قائلاً: “الكلمة سببت لي ضيقًا، لذلك أردت أن أتأكد من قصدك”، ليصبح الخطأ فرصة جيدة لفهم أفضل، وتجديد للثقة بينهم بعيدًا عن الخلاف.
وعلى مستوى أعمق، تحتاج العلاقة إلى اتفاقات بسيطة تحفظ الود، تجنب إعادة الجمل الحساسة، طلب التوضيح قبل الغضب، وترك مساحة لكل طرف لمراجعة نفسه قبل إصدار رد فعل نهائي.
فلسفيًا، يمكن القول إن البشر لا يسمعون الكلمات فقط، بل يسمعون تاريخهم مع من قالها، لذلك لابد من التحلي بحسن النية في تفسير الكلام، ومن إعطاء العلاقة حقها في إعادة ضبط إيقاعها دون أحكام مسبقة.
في النهاية، فإن الكلمة التي تعاد قد تكون مدخلًا لاشتعال أزمة، وقد تكون طريقًا لتصفية القلوب، والفارق دائمًا يكمن في الوعي، وفي طريقة التعامل، وفي قدرة كل طرف على مدّ يده قبل أن تمدّ الكلمة نارها وتشتعل.
- أحمد عبدالفتاح خيري: كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية والتنمية الذاتية. يقدّم محتوى تحليليًا وإنسانيًا يركّز على فهم العلاقات والتواصل، وما يمر به الأفراد من تجارب حياتية وتحديات شخصية. نُشرت له مقالات في عدد من المنصّات العربية، وهو مؤلّف كتاب «فن ترميم القلوب». كما يقدم محتوى فيديو بعنوان «صوت من القلب»، يتضمّن رسائل قصيرة تُلامس التجربة الإنسانية بأسلوب بسيط وصادق.
نجمة السعودية مجلة فنية وطنية متنوعة